جلال الدين السيوطي

290

الأشباه والنظائر في النحو

قال : وكذلك ( إنّ ) وأخواتها بنيت على الفتح ولم تكسر على أصل التقاء الساكنين استثقالا للكسرة مع التضعيف أو الياء في ( ليت ) مع أن هذه الحروف كثيرة الاستعمال فلو كسرت لأدّى ذلك إلى كثرة استعمال الثقيل . وقال ابن النحاس في ( التعليقة ) : إنما لزم إضمار الفعل في باب التحذير لكثرته في كلامهم كما ذكر سيبويه « 1 » . وقال الرماني : لأن التحذير مما يخاف منه وقوع المخوف ، فهو موضع إعجال لا يحتمل تطويل الكلام ، لئلا يقع المخوف بالمخاطب قبل تمام الكلام . وقال ابن يعيش في ( شرح المفصّل ) « 2 » : اعلم أن اللفظ إذا كثر في ألسنتهم واستعمالهم آثروا تخفيفه ، وعلى حسب تفاوت الكثرة يتفاوت التخفيف ، ولمّا كان القسم مما يكثر استعماله ويتكرر دوره بالغوا في تخفيفه من غير جهة ، فمن ذلك حذف فعل القسم نحو : باللّه لأقومنّ ، أي : أحلف ، وربما حذفوا المقسم به واجتزوا بدلالة الفعل عليه نحو : أقسم لأفعلن ، والمعنى أقسم باللّه ، ومن ذلك حذف الخبر من الجملة الابتدائية نحو : لعمرك ، وأيمن اللّه ، وأمانة اللّه ، فهذه كلها مبتدآت محذوفة الأخبار ، ومن ذلك إبدال التاء من الواو نحو : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا [ يوسف : 85 ] ومن ذلك قولهم : لعمر اللّه ، فالعمر البقاء والحياة ، وفيه لغات : عمر - بفتح العين وسكون الميم ، وبضمّ العين وسكون الميم ، وبضمّهما ، فإذا جئت إلى القسم لم تستعمل منه إلا المفتوح العين لأنّها أخفّ اللّغات الثلاث ، والقسم كثير فاختاروا له الأخف . وقال أبو البقاء في ( التبيين ) : لاسم اللّه تعالى خصائص منها دخول ( يا ) عليه مع وجود اللام فيه ، ومنها : زيادة الميم في آخره نحو : ( اللهم ) ولا يجوز في غيره ، ومنها : دخول تاء القسم عليه نحو : تاللّه ، ومنها : التفخيم ، ومنها : الإبدال كقوله : ها اللّه ، وآللّه وذلك لكثرة الاستعمال . وقال أيضا : يجوز حذف حرف القسم في اسم اللّه من غير عوض ، ولا يجوز ذلك في غيره ووجهه أن الشيء إذا كثر كان حذفه كذكره ، لأن كثرته تجريه مجرى المذكور ، ولذلك جاز التغيير والحكاية في الأعلام دون غيرها ، وإنما سوغ ذلك الكثرة . وقال ابن النحاس في ( التعليقة ) : إذا التقى ساكنان والثاني لام التعريف اختير

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 330 ) . ( 2 ) انظر شرح المفصّل ( 9 / 94 ) .